مساواة على طائرة بوينغ

فبراير 7th, 2009 كتبها محمد نشر في , قصة

 

   

كان صديقي السوداني يحدثني أن في السودان هناك شخصية عاشت قبل مائتي سنة أو أكثر كانت تقول للناس: إنكم ستركبون البيوت لتسافروا عبرها، وتتحدثون بالخيوط إلى بعضكم البعض، ارتطمت في ذهني هذه العبارة وأنا على متن طائرة بوينغ 777 ، ووجدت أن مشكلة هذا البيت المتنقل بين الرياض وجدة أنه غير منظم فغرفتي في هذا البيت الطائر كان رقمها 42 A وإلى جوارها غرفتان B  و C  كان المكتوب على الورقة المربعة الصغيرة التي أحملها ذلك الرقم السابق ولكنني عندما وصلت إلى هذه الغرفة وجدت أن إحداهن كانت تجلس فيها؛ كانت سمينة تميل إلى لون رملي مشوبٍ بقليل من خل التفاح ـ الله.. أول تشبيه يكتب هكذا، اذكروا ذلك ـ ، تأملتها قليلاً ورمقتني من تحت نظارتها الوردية اللون، إطارها كان أسودا، وكانت نظرتها توحي بأنها ستفترسني لو تحدثت إليها، ومع نظرتها الموحية بقوة العين (حرامي وقوي عين)،  ركزت نظري أكثر وبدأت أعيد صياغة هذه النظرة بحيث أنها لو لكمتني فما هي الجهة التي لو وجهت إليها لكمة ستضعفها، ومع إطالة نظري رمقتني المضيفة وأنا على هذه الحالة فقالت، بعد أن شاهدت الغترة والعقال: فيه مسكله! كانت فلبينية. قلت: YES ، دائماً أضع نفسي في مواقف محرجة.. لماذا قلت ” يس “؟ لماذا لم أقل نعم. وبعدها انطلقت بالإنجليزية لتسألني عن المشكلة، استوعبت سؤالها  وفهمت ما قالت لكنني لا أستطيع الإجابة، وقطعاً تعون السبب وهو أن هناك حاجزاً نفسياً لم أكسره بعد بيني وبين هذه اللغة ( مثلي مثلكم أيها السعوديون)، والمفاجأة في هذا الموقف هي السيدة خل التفاح التي تفضلت وردت عليها، فوجهت نظري لخل التفاح وقلت: وضحي لها أنني لن أتنازل عن غرفتي.. فترجمت لها كلامي وهي تضحك، مما حدا بالمضيفة أن تضحك مثلها فضحكت معهن بخجل وعرق يتصبب من جبيني.. أين سعوديتي وشهامة العربان من هذا الموقف؟ وما موقفي من قبيلتي عندما يقولون لها إن فلان الفلاني لم يترك مكانه لعابرة سبيل؟ ولكني رميت بهذه الأسئلة عرض الحائط وصممت على موقفي.. وبعد مجموعة التداولات بين المضيفة وخل التفاح، قالت لي الأخيرة: ماني قايمة من مكاني، وما أبغى اجلس على الممر وأكون ممسحة للي رايح واللي جاي!! كانت لهجتها جداوية، فقلت، بصوت منخفض وفيه أدب: لماذا لم تقولي هذا لمن قص لك البوردينق ـ اعرف انطقها ولا أعرف اكتبها ـ كي يضعك إلى جوار النافذة؟

فقالت: أول مرة يمر علي هذا الموقف؟

 ـ كيف يعني؟

ـ يعني.. أول مرة واحد يقول لي هذا مكاني ولازم اجلس عليه!

ضحكت.. ثم قلت:

ـ اجلس عليه تجلسي عليه هذه مسألة محسومة!

كان الحديث يدور والمضيفة عينها كالبوصلة تتحرك باتجاهي وباتجاهها، إلى أن أصابها اليأس وذهبت لتعود وإلى جوارها مضيف من أولاد البلد.. فوجه كلامه لي وقال: اش المشكلة؟ لم أرد عليه وأعطيته الورقة المربعة الصغيرة التي فيها رقم المقعد.. وشاهدها.. ثم قال لخل التفاح: أعطيني البوردينق حقك. فناولته.. ثم توجه نحوي وقال: يا أخي اجلس هنا. قلت: آسف.. مقعدي لن أتنازل عنه. قال، بعد أن التفت إلى خل التفاح: ليه ما تجلسي هنا. قالت، بابتسامة: ما تشوف. ( انتم استوعبوا المعنى). وبعدها ردد المضيف كلمات لم استوعبها مع تقطيب في وجهه واضح.. فقلت له: أنا أحل لك المشكلة.. ارتاح من هذه الكلمة وانفرجت أساريره وذهب ذلك التقطيب في الوجه.. وواصلت حديثي: عليك أن تنزل من في الطائرة وتعيد إركابهم كل واحد حسب رقم مقعده! ابتسم بامتعاض، وقال: تنكّت! قلت: والله هذي مشكلتكم


المزيد